الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
91
تفسير روح البيان
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ حال من فاعل يؤتون اى والحال ان قلوبهم خائفة أشد الخوف قال الراغب الوجل استشعار الخوف أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ اى من أن رجوعهم اليه تعالى على أن مناط الوجل ان لا يقبل منهم ذلك وان لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به حينئذ لا مجرد رجوعهم اليه تعالى والموصولات الأربعة عبارة عن طائفة واحدة متصفة بما ذكر في حيز صلاتها من الأوصاف الأربعة لا عن طوائف كل واحدة منها متصفة بواحد من الأوصاف المذكورة كأنه قيل إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون وبآيات ربهم يؤمنون إلخ وانما كرر الموصول إيذانا باستقلال كل واحدة من تلك الصفات بفضيلة باهرة على حيالها وتنزيلا لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها قال بعض الكبار وجل العارف من طاعته أكثر من وجله من مخالفته لان المخالفة تمحى بالتوبة والطاعة تطلب بتصحيحها والإخلاص والصدق فيها فإذا كان فاعل الطاعات خائفا مضطربا فكيف لا يخاف غيره قال الشيخ سعدى قدس سره در ان روز كز فعل پرسند وقول * أولو العزم را تن بلرزد ز هول بجايى كه دهشت خورد أنبياء * تو عذر كنه را چه دارى بيا أُولئِكَ المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة خاصة دون غيرهم يُسارِعُونَ [ مىشتابند ] فِي الْخَيْراتِ اى في نيل الخيرات التي من جملتها الخيرات العاجلة الموعودة على الأعمال الصالحة كما قال تعالى ( فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها فيكون أثبت لهم ما نفى عن الكفار قال في الإرشاد إيثار كلمة في علي كلمة إلى للايذان بأنهم متقلبون في فنون الخيرات لا انهم خارجون عنها متوجهون إليها بطريق المسارعة كما في قوله تعالى ( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ) إلخ وَهُمْ لَها سابِقُونَ اى إياها سابقون متقدمون واللام لتقوية عمل اسم الفاعل اى ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا قال بعض الكبار بالمسارعات إلى الخيرات تبتغى درجة السابقين ويطلب مكارم الواصلين لا بالدواعي والإهمال وتضييع الأوقات من أراد الوصول إلى المقامات من غير آداب ورياضات ومجاهدات فقد خاب وخسر وحرم الوصول إليها وفي التأويلات النجمية ( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) إلخ اى هم المتوجهون إلى اللّه المعرضون عما سواه المسارعون بقدم الصدق والسعي الجميل على حسب ما سبقت لهم من اللّه الحسنى ( وَهُمْ لَها سابِقُونَ ) على قدر سبق العناية انتهى يعنى بقدر سبق العناية يسبق العبد على طريق الهداية فلكل سالك حظوة ولذا قال بعض الكبار جنة النعيم لأصحاب العلوم وجنة الفردوس لأصحاب الفهوم وجنة المأوى لأصحاب التقوى وجنة عدن للقائمين بالوزن وجنة الخلد للمقيمين على الودّ وجنة المقامة لأهل الكرامة وليس في مقدور البشر مراقبة اللّه تعالى في السر والعلن مع الأنفاس فان ذلك من خصائص الملأ الأعلى واما رسول اللّه عليه السلام فكانت له هذه الرتبة لكونه مسرعا في جميع أحواله فلا يوجد الا في واجب أو مندوب أو مباح فهذا هو السبق الأعلى والمسارعة العليا حيث